ابن عجيبة
630
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : أنت ناصري ومتولى أمرى في الدارين ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً : اقبضنى مسلما ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي ، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة ، أو بالصالحين لحضرة قدسك . روى أن يعقوب عليه السّلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ، ثم توفى ، فنقله يوسف عليه السّلام إلى الشام ليدفن مع أبويه . هكذا ذكر بعض المفسرين . وقال في الزهر الأنيق : بقي يعقوب عليه السّلام بمصر أربعين سنة في أطيب وقت ، وأكمل عافية ، ثم أوحى اللّه إلى جبريل : أن انزل إلى يعقوب ، وقل له : يرحل إلى الأرض المقدسة ، عند قبور آبائه ، يجاورهم حتى ألحقه بهم . فنادى يعقوب عليه السّلام يوسف وأولاده ، وقال لهم : قد أمرني ربى بمجاورة أبى ؛ ليقبض روحي هناك ، ثم ودّعهم ، وخرج إلى الأرض المقدسة ، فزار قبور آبائه فبكى ، فرأى في المنام إبراهيم على كرسي ، وإسماعيل عن يمينه ، وإسحق عن يساره ، وهم يقولون : الحق بنا يا يعقوب ، فانتبه ، ثم قام فوجد قبرا محفورا تخرج منه رائحة المسك ، فقال : لمن هذا ؟ قال له ملك عنده : هو لمن يتمنى سكناه ، فقال : أنا ، فقبض روحه ملك الموت ، ثم نزل جبريل وميكائيل - عليهما السّلام - وكفناه ، وصليا عليه ، ودفناه . قال كعب الأحبار : توفى يعقوب وهو ابن مائتي سنة ، ولما وصل نعيه يوسف بكى ، وبكى معه إخوته . ه . « قلت » : ظاهره أنهم لم يحضروا موته ، وهو خلاف قوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ « 1 » ، إلا أن يؤول بمعنى : قرب ، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام ، وهو خلاف الظاهر . ثم إن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد ، فتمنى الموت ، فقال : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ . . . إلخ . روى أنه عاش بعد قوله هذا مدة ، ثم ماتت زليخا ، ولم يتزوج بعدها ، وعاش بعدها أربعين يوما ، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه ، فتوفاه اللّه طيبا طاهرا ، فتخاصم أهل مصر في مدفنه ، حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر - أي : رخام - فيدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء ، ثم يصل إلى مصر ؛ ليكونوا شرعا فيه . وفي رواية : أنهم دفنوه على ضفة النيل ؛ فخصبت وجدبت الأخرى ؛ فنقلوه للأخرى ؛ فخصبت وجدبت الأولى ، فجعلوه في صندوق ، ودفنوه في النيل ؛ فاخضرت الجهتان ، ثم نقله موسى عليه السّلام إلى مدفن آبائه . وكان عمره : مائة وعشرين سنة ، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة : إفرائيم ، وميشا ، ورحمة امرأة أيوب ، وتقدم البحث فيها ، وذكر في الزهر الأنيق أنه ولد له من زليخا عشرة أولاد ، فانظره . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا كان العبد في زيادة من الأعمال ، وفي الترقي إلى مقامات الكمال ، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار ؛ لزيادة الزاد إلى دار القرار ، وإذا كان في نقصان من الأعمال ، أو خاف النقصان بعد الكمال ، فلا بأس بطلب الرحيل والانتقال ؛ كما طلبه الصّدّيق عليه السّلام بعد الملك التام . وكما فعل عمر رضى اللّه عنه حين انتشرت
--> ( 1 ) الآية 134 من سورة البقرة .